أبي الفرج الأصفهاني

238

الأغاني

دخل الفرزدق على بلال بن أبي بردة ، فأنشده قصيدته المشهورة فيهم التي يقول فيها : فإن أبا موسى خليل محمد وكفّاه يمنى للهدى وشمالها فقال ابن أبي بردة : هلكت واللَّه يا أبا فراس ، فارتاع الشيخ ، وقال : كيف / ذاك ؟ قال ذهب شعرك ، أين مثل شعرك في سعيد ، وفي العباس بن الوليد ، وسمّى قوما فقال : جئني بحسب مثل أحسابهم ، حتى أقول فيك كقولي فيهم ، فغضب بلال حتى [ 1 ] درّت أوداجه [ 1 ] ودعي له بطست [ 2 ] فيه ماء بارد ، فوضع يده فيها ، حتى سكن ، فكلمه فيه جلساؤه وقالوا : قد كفاك الشيخ نفسه وقلّ ما يبقى حتى يموت ، فلم يحل عليه الحول حتى مات . قواد له من أصحابه : أخبرنا عبد اللَّه بن مالك ، عن محمد بن موسى ، عن سعيد بن همام اليماميّ ، قال : شرب الفرزدق شرابا باليمامة وهو يريد العراق ، فقال لصاحب له : إنّ الغلمة قد آذتني [ 3 ] فأكسبني بغيّا ، قال : من أين أصيب لك ها هنا بغيا ؟ قال : فلا بد لك من أن تحتال ، قال : فمضى الرجل إلى القرية ، وترك الفرزدق ناحية ؛ فقال : هل من امرأة تقبّل [ 4 ] ، فإن معي امرأتي وقد أخذها الطَّلق فبعثوا معه امرأة ، فأدخلها الفرزدق ، وقد غطَّاه ، فلما دنت منه واثبها . ثمّ ارتحل مبادرا ، وقال : كأني بابن الخبيثة [ 5 ] يعني جريرا لو قد بلغه الخبر قد قال : / وكنت إذا حللت بدار قوم رحلت بخزية وتركت عارا قال : فبلغ جريرا الخبر ، فهجاه بهذا الشعر . يغتصب بيتا : وأخبرنا عبد اللَّه بن مالك ، عن محمد بن موسى ، قال : قال أبو نهشل : حدثنا بعض أصحابنا : قال : وقف الفرزدق على الشمردل ، وهو ينشد قصيدة له ، فمر هذا البيت في بعض قوله : وما بين من لم يعط سمعا وطاعة وبين جرير غير حزّ الحلاقم [ 6 ] فقال الفرزدق : يا شمردل ، لتتركن هذا البيت لي أو لتتركن عرضك ؛ قال : خذه ، لا بارك اللَّه لك فيه فهو في قصيدته التي ذكر فيها قتيبة بن مسلم ، وهي التي أولها قوله : تحنّ إلى زورا اليمامة ناقتي حنين عجول تبتغي البوّرائم [ 7 ]

--> ( 1 - 1 ) التكملة من هد ، هج ، در العرق : امتلأ دما ، الأوداج : جمع ودج ، وهو عرق يقطعه الذابح في العنق ، فيذهب بالحياة . [ 2 ] في الأصل : « بطشت » بالشين ، وهي لغة والشائع « طست » بالسين ، معرب عن « تشت » يؤنث ويذكر . [ 3 ] في هد : « قتلتني » بدل « آذتني » . [ 4 ] تقبل : تشتغل قابلة ، أي مولدة . [ 5 ] في هد : « كأني بالخبيث » . [ 6 ] مر هذا الخبر برواية « الغلاصم » بدل « الحلاقم » . [ 7 ] في هد ، هج « تحن بزوراء اليمامة . . . إلخ « البو : جلد يحشى تبنا على هيئة الحوار يتخذ لتدر الناقة اللبن حين تراه ، رائم : عطوف .